-: متطلبات الإستقرار في جنوب السودان

لم يعد الرهان على الانفصال أو الوحدة هو الجوكر الكاسب الذي يرفعه دعاة الوحدة أو الانفصال ويزايدون به لحصد المزيد من النقاط إذ إن نسبة الوعي وان كانت ضحلة لدى المواطن بأنه هو من يحدد أحلام كل طرف دفعت بهؤلاء الدعاة للبحث عن آليات تمكنهم من دعم موقفهم ..........ويرى الخبراء أن ما تبقى من العام 2011 لايتعدى العشرون شهرًا فقط وهى فترة كفيلة بان يجرد أي طرف ماذا قدم لحمل المواطن لمناصرته ليقود السودان لواقع جديد في حال تراضى الجنوبيين لمواصلة مشوار السودان الواحد أو قرروا المفاصلة وفرز (العيشة ) وبناء الدولة رقم 192 فى منظومة الأمم المتحدة وهل يحقق الجنوبيين أحلامهم في حال غادروا الشمال واكتفوا بعلاقة الجوار ... كثير من الأسئلة حاولت منظمة تراث للتنمية بالتعاون مع مركز دراسات الشرق الأوسط وإفريقيا الإجابة عليها في ندوة حتى وان جاءت متأخرة كما يرى بعض المشاركين فى ندوة متطلبات الاستقرار فى جنوب السودان والتي شارك فيها لفيف من أهل الاختصاص الذين أسهبوا في (تشريح الواقع الجنوبي الآن ) حيث أجمع المتحدثون على انعدام الاستقرار الآن في ولايات الجنوب المختلفة على الرغم من توقف الحرب الأمر الذي يعزز مقولة إن الوحدة أو الانفصال لن يجلب الاستقرار للجنوبيين وجيرانهم فاستمرار العنف القبلي وانتشار مفهوم ( اخذ القانون باليد ) هو أكبر مهدد لهذا الاستقرار أضف إلى ذلك انفراد الحركة الشعبية وحدها فى إدارة شئون الجنوبيين لم تساعد على أحداث التوازن القبلي خاصة في ظل تمدد متزايد لقبائل الجنوب بعد عودة الكثير منهم بعد اتفاق السلام ويشير المستشار الرئاسي على تميم فرتاك إلى الواقع المعقد فى الجنوب الذي تسيطر عليه القبيلة بصورة كبيرة مثل انتشار القبائل شبه النيلية فى الاستوائية مثل قبائل الباريا والقبائل الحامية وأضف أن الثقافات التي تسيطر على الواقع الجنوبي هي ثقافات محلية إضافة للتأثير الواضح لثقافة الانجليزية المسيحية ومن ثم العربية والإسلامية وحول المكونات السياسية أشار لوجود 11تنظيم سياسي من بينها الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني فيما يبلغ عدد المتدينون فى الجنوب نحو35%(إسلامي ومسيحي )ويبلغ عدد الذين ليس لهم أي انتماء ديني نحو 65% وقال إن تاريخ الجنوب لم يشهد أي حروب كبيرة إلا ما قبل الاستقلال في العام 1955 ثم بعد ذلك لنحو 17 سنة انتهت باتفاق 1972 ومن ثم الحرب الأخيرة التي انتهت باتفاق نيفاشا أي أن فترة الحروب فى الجنوب امتدت من (1955 ـ2005) لكن فرتاك امتدح القبائل الجنوبية ووصفها بأنها تتعايش بسلام منذ عهود خلت ولم يتوانى فى الدفع بثلاث أسباب اعتبرها المسئول عن اندلاع الحروب فى الجنوب وهى السياسي والذي قاد لحرب 1955 وذلك نتيجة الخلاف وعدم الثقة بين المكونات الجنوبية والمركز الذي فشل في استيعاب عدد من الجنوبيين في قوات دفاع السودان والذي تحول فيما بعد إلى الجيش السوداني ليقود هذا الموقف إلى اندلاع أول أزمة مابين الشمال والجنوب ليرتبط هذا الاضطراب السياسي بمطلب سياسي هو الحكم الفيدرالي الذي ظهر في مؤتمر جوبا 1947 الأمر الذي عزز عدم الثقة بين الجنوب وحكومة الشمال ومن ثم تطور الوضع المتأزم بدخول أطراف دولية وإقليمية ومنظمات دولية مما خلق وضاعا غير مستقر ويشير المستشار الرئاسي إلى انه رغم هذا الواقع إلى إن الجنوب تميز بوجود مقومات للاستقرار ولفترة طويلة حتى ولو بصورة نظرية وهو ذات الواقع مر به الشمال حيث تعرض أيضا لعدم الاستقرار السياسي نتيجة الانقلابات العسكرية وأضاف أن مشكلة الصراع فى الجنوب هو انتقاله لعدد من ولايات السودان المختلفة واعتبر أن اتفاق نيفاشا يعد أكثر الحلول التي وجهت أزمة الجنوب السياسية وذلك عندما ترجمت مطلب الانفصال والذي ورد في إعلان اسمرا ولا يعد فرتاك قضية المفاصلة نهاية لعلاقة الجنوب بالشمال ولكنه يدعو بوضع تدابير محكمة وقوية وعادلة ومنصفة وذلك لجهة منع أي توترات بين البلدين وذلك فى حال اختار الجنوبيين الانفصال في العام 20011 ويرى فرتاك فى ندوة منظمة تراث للتنمية البشرية إن أهم هذه التدابير هو ضبط الحدود المشتركة بين الدولتين حتى لا تكون ملتهبة وتساعد على جيرة يحترم فيها كل طرف الآخر أما في حال جاء رأى الأغلبية لصالح الوحدة فيدعو فرتاك إلى أهمية احترام الانفصاليين ومجادلتهم بالحسنى حتى يتعايش الجميع فى وطن مستقر ويعتقد فرتاك أن ما تبقى من مهلة لتحديد مستقبل السودان يحتاج لاستغلاله بصورة عملية وذلك من اجل إحداث التأثير المطلوب حتى يتمكن المواطن من الاختيار وفق قناعة وهذا لن يتم إلا في حال وجدت حكومة قوية ومنسجمة ومترابطة فى الجنوب تعمل على بسط الأمن وهيبة الدولة وتحكم القانون حتى لا تحدث فوضه ويلجأ المواطن لأخذ القانون بيده وهو ما يحدث الآن إذ سيطرت ثقافة المقاتلين بعد عودتهم للمدينة وانتشر السلاح بصورة لافتة ورغم أن فرتاك اقر بوجود تحديات واجهت الحركة الشعبية فى إدارتها لشئون الجنوب أهمها أن قادتها حديثي تجربة في الحكم لذلك ينصحهم على نقل واستنساخ حكومة المركز والتي اعتبرها قوية على الرغم من التحديات التى تواجهها سواء داخليا او خارجيا لكنه أشار لانجازات تمكنت الحركة من إحداثها حتى ولو بصورة طفيفة. روشتة.................... ودفع فرتاك بما قال أنها معالجات للواقع الجنوبي كواحدة من أهم آليات إحداث الاستقرار في الجنوب الآن أهمها إحداث المصالحات بين القبائل الجنوبية خاصة تلك التى لم تشارك فى الحرب وتعانى الآن من تصفية (حساب) من القادمون من الغابة إذ ترى هذه القبائل أنها خرجت (من المولد بدون حمص) فى الوقت الذي بدأت فيه القبائل المقاتلة في حصد سنوات القتال مما خلق حالة من أجواء الحرب بين هذه القبائل فالحرب الآن موجودة داخل البيوت وفى المكاتب وفى الشوارع العامة ألا أن تميم لا يتخوف من التأثير السياسي في هذه الصراعات القبلية وان لم يختفي لتمر أربعة سنوات من عمر نيفاشا دون تسخيرها بالصورة المطلوبة لإحداث الاستقرار وحمل المواطن الجنوبي بان يشارك فى إشاعة روح السلم ووضع ضوابط لحريته مع إحداث التحول الديمقراطي حقيقي وتحول سياسي نحو التعددية الحزبية حيث يوجد فى الجنوب الآن (11) حزبا وان لا يسيطر حزب واحد على إدارة مفاتيح الدولة مع منح القوى السياسية حرية اكبر من التحرك لإحداث التأثير الفاعل في الجنوب حتى يتيقن الجنوبي بان ثمة تغير قد حدث له ويحذر فرتاك من بروز ظاهرة أخرى وهى التميز الذي يعانى منه العائدون من مناطق اللجؤ والنزوح حيث ينظر إليهم كأنهم (خائنون ) مما يولد شعور بالغبن والغربة حتى داخل مناطقهم ويرى فرتاك فى الخطوة مؤشر لانعدام مفاهيم تقبل الآخر وتناسى الماضي أضف لذلك الاهتمام بالمحور الاقتصادي والذي يسهم وبصورة كبيرة فى عدم الاستقرار إذ أن الوضع الاقتصادي الآن في الجنوب مزري ويعيش الكثير من الجنوبيين دون عمل خاصة وسط الخريجين وعملت الحرب خلال السنوات الماضية على إفقار المواطنين إلا أثرياء منهم ويشير فرتاك إلى أهمية حدوث الاستقرار الأمني والاجتماعي لن يحدث تحسن فى الوضع الاقتصادي الذي يحتاج لدعم المستثمرين وهم بدورهم لن يخاطروا للعمل فى بيئة غير آمنة إذ إن كثير من رؤوس الأموال غادرت الجنوب ... ولا يخفى فرتاك قناعته بان الوجدان الجنوبي مع الوحدة وهذا واضح منذ مؤتمر جوبا الذي فشل في الدفع بهم نحو الانفصال ومن ثم موقفهم عشية إعلان الاستقلال من داخل البرلمان أضاف إلى ذلك فان الحركة الشعبية نفسها حركة وحدوية كثير من الحركات المقاتلة فى الجنوب كانت تؤيد الانفصال إلا أنها وفى وقت لاحق غيرت من موقفها وأصبحت مع وحدة السودان ويعزز فرتاك موقفه بحركة النازحين من الجنوب للشمال ومن ثم عودتهم مرة أخرى بعد السلام بحجة انعدام مقومات بقائهم فى الجنوب. المكان الغلط...................... ورغم أن المتحدثون امنوا على انعدام الاستقرار بمفهومه المتعارف عليه الا أنهم اجمعوا أن الوضع غير ميئوس منه ويمكن معالجته بإحداث تغيرات تقود لإصلاح الحال ويرى الدكتور وانى تومبي القيادي الجنوبي والذي اعد في وقت سابق كتاب عن الانفصال ومهددات الاستقرار فى جنوب السودان ان المكان الأفضل لعقد هذه الندوة هو الجنوب وليس الشمال بيدا انه امن على أهميتها وخالف فرتاك في الحديث على انعدام مقومات الاستقرار حيث يرى بوجود عناصر لاستقرار الجنوبيين وان كانت ضعيفة تحتاج لتقوية ويعد الاستفتاء احدها إذ أن الجنوبيين حصلوا على واحدة من مطالبهم التى كانوا ينادون بها ويحتاجون مساعدة الآخرين لهم إذ إن وجود جنوب غير مستقر يعنى بالتالي شمال مضطرب بل يعنى مباشرة عدم استقرار الشرق الإفريقي برمته ولا يبدو وانى متفائلا بما تبقى من الموعد المضروب للاستفتاء حيث يقول إن المال ليس وحده من يحقق عوامل الاستقرار فى هذا التوقيت حتى ولو تلقت حكومة الجنوب دعما من الأمريكان إذ أن اكبر المشاكل التى ستواجهنا هي انعدام الكادر البشرى فإذا قرر الجنوبيين الانفصال فان الدولة الجديدة ستعانى من قلة الكوادر البشرية المؤهلة وينادى تومبى بإجراء سلسلة من المعالجات لإحداث الاستقرار المطلوب مثل إحداث المصالحات بين المكونات السياسية والقبلية مع تعزيز آليات الإنتاج والمواصلة في تنفيذ اتفاق السلام الشامل ويعتبر وانى انفصال الجنوب لا يعنى خلق حالة من الكراهية بين الدولتين داعيا الجميع للمشاركة فى تقوية مفاهيم الجيرة الطيبة كما اسماها. ويشير عبد الله دينق ممثل سلاطين الجنوب أن الإنفاق الاقتصادي غير المرشد لقادة الحركة الذين شاركوا فى الحكم أسهم في إفقار المواطن الجنوبي والدفع به للبحث عن سبل أخرى للتعايش مع واقعه الجديد معتبرا تجاهل الحكومة عن إحداث التغيير المطلوب بعد توقيع اتفاق السلام هو من أبرز معوقات الاستقرار إذ إن الكثير منهم لا يزال يعيش بمفهوم الغابة ويتعاطي مع قضايا المواطن بذات أسلوب الحرب والقتال الأمر الذي أشعل النعرات القبلية وأدى إلى بروز المليشات مرة أخرى حتى داخل المدينة وقال إن تعامل كوادر الحركة الشعبية مع غير المنتسبين لها خلق بدوره فجوة بين المواطنين فى الجنوب. وفى المقابل يرى العميد عبد الوهاب البكري بوجود ثلاث مسببات أساسية تساعد في عدم الاستقرار بشكل عام هي الأمن والمال والمحور الاجتماعي ونادى بأهمية إحداث نقلة تنموية سريعة خلال ما تبقى من عمر الفترة الانتقالية واعتبر الحديث عن الانفصال أو الوحدة أمر يجب ألا يؤدى إلى حالة الهلع المفرط مشيرا إلى أن الجنوب ظل منفصلا عن الشمال لثلاثون عاما وأشار إلى أن الاستفتاء يعد سانحة للجنوبيين حتى يقرروا وبصورة طوعية إلى أي خيار هم منحازون دون وجود ضغوط عليهم وما يختارونه يجب أن يجد الاحترام من الشماليين حتى يعيش الجميع فى استقرار ويضيف أن الواقع الآن لا يشير إلى أننا وصلنا نقطة اللا عودة فلا يزال أمام الأطراف الكثير لما يقوموا به لتعزيز الوحدة وحمل السودانيين للعيش معا ولكن وفق اختيارهم وليست جبرا ........... وتأسيسا على ما سبق فان تداعيات كثيرة تجعل من الحديث عن استقرار الجنوب أمر أشبه بالبحث عن ( ما أصطلح على التندر به انه من رابع المستحيلات ) خاصة فى ظل ظروف بالغة التعقيد ومهددات لم تعنى للكثيرون في وقت سابق أنها قد تؤدى لتقويض اتفاق سلام وقع بعد سنوات من الصراع المرير ولن يكون عيبه انه منح الجنوبيين فرصة لاختيارعما إذ كانت لديهم الرغبة في مواصلة العيش مع الشماليين أم يذهبون نحو تأسيس دولتهم الوليدة لذلك فان الحجر الذي قذفت به منظمة تراث فى مياه يرى الكثيرون أنها لن تتحرك ربما شجع من لا يزال (يتعشم ) فى الوصول لاستقرار فى جنوب ظل لسنوات يعانى واقعا أكثر تشرزما فهل تفلح المنظمة فى إصلاح ما أفسده طموح السياسيين؟.